أبي منصور الماتريدي

559

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم : المنكر « 1 » : ما لا يعرف في الشرائع والسنن . ويقال : المنكر : ما أوعد الله عليه النار ، والبغي « 2 » : الاستطالة ، والظلم ، ثم يجب [ أن نقرر ] « 3 » حقيقة العدل : ما هو ؟ فهو - والله أعلم - : وضع كل شيء موضعه ؛ فيدخل فيه كل شيء : التوحيد وغيره ؛ بجعل الربوبيّة والألوهية لله لا شريك فيها غيره ، ولا يصرفها إلى غيره ، ولا يضيف ، بل ينسب الرّبوبيّة والألوهية إلى الله ، والعبودية إلى العباد ، ولا يضاف العبودية إلى الله ، ولا الربوبية والألوهية إلى العباد ؛ فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه : الربوبية في موضعها ، والعبودية في موضعها ، هذا - والله أعلم - معنى العدل . وأمّا الإحسان : فهو ما قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : إن جبريل سأله عن الإحسان حين سأله عن الإيمان والإسلام ؛ فقال ما الإحسان ؟ فقال : « أن تعمل للّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » « 4 » . ومن يعمل لآخر بحيث يراه وينظر إليه يكون أبدا طالب رضاه في ذلك العمل ، وإخلاصه له وطلب مرضاته فيه ؛ فهو يحتمل وجوها ثلاثة - أعني الإحسان - : أحدها : ما ذكر أنه يعمل له كأنه يراه ، وذلك فيما بينه وبين ربه . والثاني : فيما بينه وبين الخلق ، وهو أن يحب لهم كما يحب لنفسه فيما أذن له في ذلك ، أو نقول على الإطلاق يحب لهم كما يحب لنفسه . فإن عورض بالقتال والحروب التي بيننا وبين أهل الحرب ، وذلك بالذي لا نحب لأنفسنا ونحب لهم - قيل : في ذلك طلب نجاتهم وتخليصهم من الهلاك والعذاب الدائم الأبدي ، وذلك ما نحبه « 5 » نحن لأنفسنا : أن يسعى أحد في نجاة أحدنا من المهلكة ؛ ألا ترى أنه قال : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] وليس [ في القتال ] « 6 » في الظاهر رحمة ، لكن في الحقيقة رحمة ؛ حيث يحملهم القتال على الإسلام ؛ إذ كان قبل نصب القتال والحروب معهم لم يسلم إلا قليل منهم ؛ فلما نصب الحروب معهم والقتال دخلوا في الإسلام أفواجا أفواجا ؛ فصار ذلك في الحقيقة رحمة ، وإن كان في رأي العين في الظاهر ليس برحمة .

--> ( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 82 ) . ( 2 ) زاد في ب : قيل . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) طرف من حديث عمر بن الخطاب الطويل : أخرجه مسلم ( 1 / 36 ، 38 ) ، كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ( 1 / 8 ) . ( 5 ) في ب : نحب . ( 6 ) سقط في أ .